يوضح هذا المقال التوصيات السياسية لمعالجة قضايا التطرف في شمال شرق سوريا. وستعكس النتائج كيف يمكن أن تساعد الجهود المستمرة من قبل الشركاء المحليين، من خلال اعتمادهم لنظام الإنذار المبكر والاستجابة المبكرة وتطوير استخدامهم له، في صياغة توجهات سياسية ملموسة وفعّالة للتصدي للمشكلات الناجمة عن التطرف.
المقدمة
قامت منظمة مساعدات الشعب النرويجي (NPA)، بالتعاون مع شركاء محليين في شمال شرق سوريا (NES)، بتطوير نظام الإنذار المبكر والاستجابة المبكرة (EWERS)، وهو نظام صُمم خصيصًا ليعمل كجرس إنذار لتحذير المنظمات غير الحكومية الشريكة من تصاعد ظاهرة التطرف العنيف في البيئات المحلية الدقيقة التي يعملون فيها. وقد جاءت صياغة هذه المذكرة السياسية نتيجة لمراجعة تشغيلية لنظام EWERS، بالإضافة إلى مقابلات مع شركاء التنفيذ، وموظفي NPA، ومطوري النظام، فضلاً عن مراجعة معمقة لتقارير الوضع في شمال شرق سوريا. كما جرى أيضاً مراجعة للأنشطة المقترحة من الشركاء المحليين لمعالجة مؤشرات التطرف التي رصدها نظام EWERS.
أكثر القضايا إثارة للقلق فيما يتعلق بالتطرف في شمال شرق سوريا هي الزيادة في عودة واندماج أفراد عائلات تنظيم الدولة (داعش) في المجتمعات المحلية. وتعد هذه قضية واسعة النطاق ضمن إطار التماسك الاجتماعي بعد الصراع، وتتطلب تركيزاً على مجالين سياسيين محددين:
1. موقف المجتمع من أفراد عائلات أعضاء داعش السابقين.
2. وضع النساء والأطفال ومدى هشاشتهم في مرحلة ما بعد داعش، خصوصًا أولئك الذين ما زالوا بلا جنسية قانونية.
وستغطي التوصيات السياسية لهذين المجالين كيف يمكن للشركاء المحليين الاستمرار في استخدام نظام EWERS وتطويره، وكذلك الأساليب التي ينبغي دعمهم من خلالها. وستُستخلص هذه التوصيات من أفضل الممارسات في مجالات الخروج من التطرف وتعزيز التماسك في سياقات ما بعد الصراع.
أفضل الممارسات والتحليل
من خلال مراجعة الأدلة المستقاة من الأعمال الأكاديمية، وتقارير المنظمات الدولية، وتقارير الشركاء المحليين، يتضح أن السياق الحالي في شمال شرق سوريا هشّ، وهناك عدة دوافع يمكن أن تؤدي إلى عودة أعضاء داعش السابقين إلى التطرف، أو تطرف أعضاء جدد في المجتمع. وأظهرت أفضل الممارسات في برامج فك الارتباط مع التطرف فعاليتها عندما تأخذ بعين الاعتبار القيم والأعراف السائدة في المجتمعات التي يجري فيها الاندماج، أي أن بناء مناعة المجتمع ضد التطرف يتم من خلال الحراك الاجتماعي وتعزيز التماسك. ومع هذا الإدراك، من المهم التنويه إلى أن الشركاء المحليين لا يمكنهم بمفردهم إجراء كل التغييرات السياسية والبرامجية اللازمة لتحقيق تماسك اجتماعي شامل، لا سيما في سوريا حيث لا يوجد خطة وطنية رسمية للسلام والحوكمة، ولا توجد برامج فعالة لإعادة تأهيل السجناء، أو تنمية اقتصادية في شمال شرق سوريا، في ظل وجود تفويضات أمنية متضاربة.
مع ذلك، نعرض فيما يلي مجالات يمكن للشركاء المحليين المساهمة فيها لتعزيز الحراك الاجتماعي في مكافحة التطرف، والجانب الإيجابي هنا هو أن النهج القاعدي من منظمات المجتمع المحلي في شمال شرق سوريا سيكون أكثر مرونة، وسيأخذ بعين الاعتبار السياق المحلي بشكل أفضل. وتقوم استجابة السياسات في المرحلة القادمة على الركائز التالية:
- • مكافحة التطرف بين العائدين الجدد تُعد هدفاً قصير إلى متوسط المدى. أظهرت الدراسات أن تجنب العودة للتطرف لمدة عام تقريباً يقلل من احتمالية عودة الأفراد إلى العنف بشكل كبير. لذا من الضروري وجود برامج فعالة للتعامل مع العائدين ومراقبة تطورهم.
- • الأولوية القصوى يجب أن تكون لبناء مجتمعات متماسكة. فالعودة للتطرف ليست العامل الأهم لضمان مناعة المجتمع، بل إن المؤشرات التي تُظهر التعاون والروابط الوثيقة بين العائدين والمجتمع المتكامل أكثر أهمية بكثير.
- • يجب إعطاء أولوية لأمن العائلات، خصوصًا النساء والأطفال من عائلات داعش عند عودتهم.إذ من المحتمل أن يواجهوا وصمة اجتماعية أو عنف، ويجب حمايتهم قدر الإمكان أثناء تنفيذ برامج التماسك.
الآثار السياسية والتوصيات
تنقسم التوصيات السياسية إلى مسارين: المسار الأول يركز على تقديم توصيات ملموسة لـ NPA والمجتمعات المانحة المهتمة لتعزيز وتطوير استخدام نظام EWERS في شمال شرق سوريا. ويُعد هذا خطوة حيوية لأنه يسمح بمزيد من تطوير النظام من خلال جمع بيانات على المدى الطويل، مما يُسهم في تحسينه. كما تُعد بيئة شمال شرق سوريا مناسبة لتطوير نظام PeaceAlert إلى نسخة 2.0 قابلة للتطبيق في سياقات أخرى. لتحقيق ذلك، يُوصى بما يلي:
- • توسيع نطاق استخدام EWERS ليشمل شركاء جدد ضمن ما يُعرف بـ "برنامج تطوير PeaceAlert".
يتطلب نظام EWERS فترة تجريبية أطول لفهم تأثيره التنبؤي على التوتر والعنف، وكذلك كيفية استخدام المنظمات لهذه البيانات. يتطلب ذلك من الشركاء العاملين على برامج متنوعة تحميل مزيد من البيانات إلى النظام، مما يزيد من كفاءته. وعندما يتم إشراك عدد أكبر من المنظمات، يجب على NPA تشكيل مجموعة تطوير تستخدم PeaceAlert لمراقبة وتقييم استخدام النظام في الوقت الحقيقي، مما يتيح تقييم التأثير وتقديم توصيات لتطويره ونقله لسياقات أخرى.
أما المسار الثاني فيركز على إنشاء نموذج بسيط لاستخدامه في صياغة السياسات، بحيث يمكن للشركاء استخدامه لتصميم البرامج وتحديد أساليب الانخراط مع المجتمع.
التوصية الأولى: استخدام نظام EWERS
يجب أن يُشكل نظام EWERS الأساس الذي تبنى عليه السياسات لدى الشركاء المحليين في شمال شرق سوريا. لا يزال النظام أداة رئيسية لفهم التوترات الحالية على الأرض بشكل مرن، وتحديد المناطق التي يمكن أن يتعزز فيها التماسك. وفيما يلي كيفية استخدام النظام:
• يجب تعديل أسئلة استبيان EWERS لتعكس التوترات التاريخية في مناطق محددة من شمال شرق سوريا. فالعوامل المؤدية للتطرف محلية جداً، ويجب أن تعكس برامج المنظمات ذلك. سيكون من المفيد تضمين عدد من الأسئلة المتعلقة بمواقف المجتمع تجاه عائلات العائدين من داعش.
• يجب أن يكون للمسح مشاركون متنوعون. إشراك مختلف الأعمار والأجناس والفئات الاجتماعية ضروري لضمان شعور المجتمع بأهمية آرائهم، وتوفير صورة شاملة عن المشكلات القائمة.
• استخدام البيانات المتعلقة بالمواقف لفهم قيم المجتمع. يجب أن يُستخدم استبيان EWERS لمعرفة مدى استعداد المجتمع لإعادة دمج أعضاء داعش السابقين وعائلاتهم. كما يمكنه تحديد "الخطوط الحمراء" التي يجب أن تُراعى عند تصميم السياسات والبرامج.
• استخدام بيانات EWERS للمشاركة المجتمعية في صياغة الحلول. تعطي الاستبيانات لمحة عامة، لكنها لا تُنتج نقاط عمل مباشرة. لذلك يجب تقديم البيانات الأولية للمجتمع لمناقشتها وتحديد نقاط العمل المحتملة. ويجب أن تُستكشف في هذه المرحلة العوامل السياقية التي تؤثر في رغبة المجتمع وقدرته على تسهيل أو مقاومة إعادة الدمج، ومعرفة مدى قدرتهم على دعم البرامج.
التوصية الثانية: صياغة السياسات
يجب أن تكون السياسات شاملة قدر الإمكان، وتحتوي على عنصرين أساسيين لزيادة فرص نجاحها:
• وسيلة لتحسين قدرة العائدين على المساهمة في المجتمع. يجب أن تهدف برامج فك التطرف على الأقل إلى إخراج الأفراد من دائرة الانخراط في الجماعات العنيفة، وتمكينهم من الإسهام في مجتمعاتهم. أما التغيير الأيديولوجي على المدى الطويل فهو هدف ثانوي.
• تشجيع مشاركة مجتمعية واسعة النطاق. تقليص الفجوة بين العائلات العائدة من داعش والمجتمع الذي يندمجون فيه أمر أساسي. ويجب أن تشمل الأنشطة والبرامج مختلف فئات المجتمع لتقليل وصمة العار وتعزيز الدمج.
التوصية الثالثة: المناصرة من أجل السياسات
السياسات تحتاج إلى دعم مجتمعي واسع من مختلف القطاعات والمؤسسات، ولهذا يتطلب الأمر نهجًا للمناصرة. لتحقيق ذلك، يجب على المنظمات غير الحكومية التفكير بما يلي:
• إشراك أكبر عدد ممكن من أصحاب المصلحة. مكافحة التطرف وتعزيز التماسك الاجتماعي هدف مجتمعي، ويتطلب مشاركة مختلف الفاعلين.
• تقديم نجاح البرامج على أنه يتجاوز مجرد فك التطرف. سيُحفَّز أصحاب المصلحة المختلفون بنماذج متعددة للنجاح، مثل تحسين الاقتصاد المحلي نتيجة انخراط العائدين في سوق العمل. يجب عرض السياسات لكل فئة من أصحاب المصلحة بشكل يتوافق مع اهتماماتهم.
• أن تكون نظرة النجاح بعيدة المدى. فالتماسك الاجتماعي في مرحلة ما بعد الصراع هدف طويل الأجل، خاصة في ظل التهجير والتخلف الذي تعاني منه المجتمعات والآثار النفسية على السكان. لذلك، فإن البرامج الفردية لن تكون كافية لمعالجة كل المشكلات، بل يجب أن تُنظر إليها على أنها جزء من الحل الشامل، ويجب شرح هذا الجزء مع البرامج التكميلية المقترحة.
توصيات إضافية: دمج الفئات الضعيفة
التحدي الأكبر الذي يواجه شمال شرق سوريا هو الموقف من الأطفال والنساء العائدين من عائلات داعش. معالجة هذا التحدي هدف طويل الأجل ويتطلب تواصلاً مستمراً مع المجتمع لضمان القبول. يمكن أن يساعد نظام EWERS في فهم مشاعر المجتمع تجاه العائدين، لكن السياسات يجب أن تكون شاملة لمخاوفهم لضمان تقليل التوتر قدر الإمكان. وبدون هذا التواصل والفهم لاحتياجات المجتمع، ستُدفع العائلات الضعيفة إلى هامش المجتمع، مما يجعلها عرضة لخطر إعادة التطرف.
الهوامش
[1] Clubb, Gordon, and Marina Tapley. “Conceptualising de-radicalisation and former combatant re-integration in Nigeria.” Third World Quarterly 39.11 (2018): 2053-2068, p.2062
[2] Reed, Pohl, Tackling the surge of returning foreign fighters. 2017, from website: https://www.nato.int/docu/review/articles/2017/07/14/tackling-the-surge-of-returning-foreign-fighters/index.html
[3] Brechenmacher, Stabilizing northeast Nigeria after Boko haram (Vol. 3). Washington, DC: Carnegie endowment for international peace, 2019